صحة نفسية

كيف أصل إلى شعور السلام الداخلي؟

كثيراً ما نتداول تعبير السلام الداخلي، ينتشر كثيراً، لا نفسّره عادة، ونعتبره مفهوماً بديهياً، نفهمه جيداً حتى لو لم نذق طعمه في حياتنا. كيف لنا أن نفسّر لأنفسنا ما هو السلام الداخلي؟

أجد أن السلام الداخلي هو المرادف الأقرب إلى تعبير التوازن.

سلامنا الداخلي هو حالة توازن عميقة تجاه كل ما نختبره على الصعيد الجسدي، والعقلي والروحي، من مشاعر، وأفكار، ونجاحات، وأحداث.

لا يعني ألا نفرح، بل أن نفرح بتوازن، ولا يعني ألا نحزن البتة، بل أن نحزن بتوازن وتقبّل.

السلام الداخلي العميق لا يعني أن أبقى دائماً في حالة سعادة وفرح وإيجابية.

هو موقف متوازن تجاه كل ما يحدث لي في الحياة، ببساطة.

لا ينشأ السلام الداخلي من حالات روحانية عالية، أو يتطلب ممارسات تفوق قدراتنا المتوسطة.. هل سبق أن شاهدت أحداً يجلس في وضعية اللوتس ويمارس التأمل، متجهّما، يرى في نفسه خليفة لله، ولا يملك أي صفة من صفاته، تعابيره لا توحي بالتوازن أو بالسلام، وأنه أكثر جدية تجاه الحياة، بينما تشاهد امرأة جميلة تحتفل بجمالها، وتلتقط صوراً شخصية  لها تبتسم فيها أمام الأماكن التي زارتها في عطلتها السنوية؟ أعتقد أنك فهمت الإشارة المراد الإدلاء بها، جزء من السلام الداخلي هو أن نكون أنفسنا حقيقة، أن تكون لنا أفكارنا الخاصة، أن نلهو، ونقول النكات، ألا نهرب من واقعنا بممارسات غريبة عن روحنا، وألا نجبر أجسادنا ونكلّفها فوق طاقتها ونقولبها في إطارات نظرية عن السلام الداخلي. يمكنني أن أكون متأملاً هارباً من ذاتي وواقعي وسلامي، ويمكنني أن أكون إنساناً بسيطاً عفوياً أعيش سلامي وأفيض به.

جميعنا في مرحلة من حياتنا انجرفنا مع تيار أن نبرز أننا نفهم أكثر الفلسفات عمقاً، أن نعيد جملاً قرأناها في كتب غيرنا، أن نتبنى حالات عاشها أناس آخرون ونعتبر أنها تجاربنا، طمعاً في أن نغرق في السلام الداخلي، كنا جميعاً هاربين.. السلام لا يركض وراء هاربين وهو يدري تماماً أين يكون، ومن يختار كي يُغرقه بنعيمه.

هل يزيد كوننا روحانيين من الشعور بالسلام؟

 طبعاً لكن ذلك يطرح السؤال التالي: ما معنى أن تكون روحانياً أصلاً؟ وهذا بحث آخر، لكنني باختصار، وبقناعة جد شخصية، أجد أن الانسان الروحاني هو ذلك المتّصل اتصالاً دائماً مع نفسه. وبالتالي، كونك متصلاً مع ذاتك يعني أنك في سلام أو ستجده عاجلاً أو آجلاً.

هل من يعرف حالة السلام الداخلي لا يخسرها ويبقى دائماً منغمساً في سلامه؟ 

على الأرجح لا.

 هل سأبقى متوازناً تجاه كل ما يحدث لي في الحياة إلى الأبد؟

بالطبع لا.

أول الدروس العميقة التي تعلّمتها في حياتي، أن أي طريق يسلكه الإنسان، هو طريق فصل ووصل. وصل وفصل.. ولا يقع الوصل إلا إذا وُجد الفصل.. وأننا في مراحل واتساع دائم، وسقوطنا أمر طبيعي ومحتم، وهو جزء من تجربتنا وبشريتنا، ومحاولتنا النهوض أيضاً أمر أكثر طبيعية وحتمية، وأقوى دليل على بشريتنا وتجربتنا الإنسانية التواقة دائماً إلى الارتقاء.

السلام الداخلي هو تقبّل بشريتنا والعيش على أساسها، إن الاحتفال بأننا ناقصون يزيد من كمالنا وجاذبيتنا ويولّد مزيداً من السلام.

باختصار، كيف أشعر بأنني بسلام داخلي؟

عندما أملك مشاعر متوازنة، وألا أبالغ في الفرح، ولا أتماهى مع الحزن، وألا أفرط في التعبير عن كليهما.

المصدر: عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى