لبنانيةإقتصاداخبار

معهد التمويل الدولي يتوقّع انكماش اقتصاد لبنان 26.5% في 2020

كشف أحدث تقرير أعدّه كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “​معهد التمويل الدولي​” غربيس ايراديان، أنّه على لبنان تنفيذ إصلاحات كبيرة لتجنّب مصير الدول الفاشلة، متوقعاً أن يَنكمِش ​الاقتصاد اللبناني​ بنسبة 26.5% في العام 2020، مُترافقاً مع انخفاض حاد في سعر الصرف في السوق الموازية، ما سيقلّص ​الناتج المحلي​ الإجمالي بمقدار النصف ب​الدولار​.

وأشار ألى أنّ قيمة الرواتب و​الأجور​ تنخفض بشكل حاد بعد أن سَرّع انهيار سعر الصرف في السوق السوداء وفي ​المصارف​ وارتفاع معدل التضخّم وصولاً الى 137% على أساس سنوي لغاية تشرين الأول الماضي، في حين زاد حجم ​السيولة​ النقدية المتداولة في السوق أكثر من 3 أضعاف منذ بداية العام لغاية تشرين الثاني، كما زادت معدلات البطالة و​الفقر​ بأكثر من الضعف، ما حَفّز الهجرة الجماعية للمثقفين والمهنيين.

في التفاصيل، تُظهر توقعات “معهد التمويل الدولي” للعام 2020، أنّ قيمة إجمالي الناتج المحلي الإسمي (بالدولار) ستكون أكبر بكثير من توقعات “​صندوق النقد الدولي​”، كما أنّ توقعاته للعجز المالي أقل من توقعات الصندوق، وذلك لسببين رئيسيين:

1- يقدّر “معهد التمويل الدولي” متوسّط سعر الصرف المرجّح استخدامه لتحويل قيمة الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوَقّع بالليرة إلى الدولار، بأقل من سعر الصرف المرجّح من قبل “صندوق النقد الدولي”.

2- تتوافَق توقعات “معهد التمويل الدولي” للعجز المالي مع الأرقام الفعلية للأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، والتي تظهر عجزاً أقل ممّا كان عليه في نفس الفترة من العام الماضي. ومن المتوقع أن يعوّض الانخفاض الحاد المتوقّع في نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، الإنهيار في الإيرادات الحكومية. وبالتالي، يرجّح “معهد التمويل الدولي” عجزاً مالياً بنسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وعجزاً أولياً بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2020.

وسينخفض عجز ​الحساب الجاري​ من 11 مليار دولار في العام 2019 إلى 3 مليارات دولار في العام 2020، نتيجة انخفاض ​الواردات​ بنسبة 50%، إلّا أنّ تراجع التدفقات الرأسمالية سيعوّض سلباً التحسّن في بند الحساب الجاري، ما سيؤدّي إلى استنزاف الاحتياطي من ​العملات الاجنبية​.

إصلاحات مطلوبة: ما هي الإصلاحات الرئيسية التي يتوقعها “صندوق النقد الدولي”؟

أشار إيراديان، في تقريره، إلى أنّ “صندوق النقد الدولي” و”​البنك الدولي​” والجهات المانِحة الرسمية الأخرى، عَلّقت ​الدعم المالي​ للبنان بشكل أساسي، بسبب الفشل المتكرر للطبقة السياسية في تنفيذ الإصلاحات الرئيسية التي يتوقعها الصندوق و​المجتمع الدولي​، وهي:

• إجراء مراجعة كاملة لحسابات البنك المركزي (تدقيق جنائي) لتفعيل الشفافية والمساءلة.

• إقرار قانون وَضع ضوابط على رأس المال (كابيتال كونترول).

• ضمان استقلالية القضاء للحدّ من ​الفساد​ وتفعيل المساءلة.

• توحيد أسعار الصرف المتعددة مع وصول أول دفعة من الدعم المالي الخارجي.

• إعادة تأهيل “​مؤسسة كهرباء لبنان​” ووضع حدّ للخسائر الناتجة عنها.

• تحقيق فائض مالي أوّلي كبير، ابتداءً من العام 2022، من أجل توجيه الدين العام نحو مسار هبوطي مُستدام.

• إعادة هيكلة النظام المالي الذي سيشمل إعادة الرَسملة ودمج البنوك.

• إنشاء شبكة أمان اجتماعي موسّعة لتوفير الحماية القصوى للأشخاص الاكثر حاجة.

“هل ستلجأ السلطات الى رفع الدعم؟”: قال ايراديان، إنّ “​احتياطات​ ​مصرف لبنان​ المُتاحة آخِذة في النضوب، ولن يعود البنك المركزي قادراً على الاستمرار في دعم كلفة ​استيراد​ السلع الأساسية، بما في ذلك ​المحروقات​ و​الأدوية​ و​القمح​، مشيراً إلى أنه في نهاية تشرين الثاني الماضي، بلغ احتياطي ​النقد الأجنبي​ 17.8 مليار دولار، ما يعني أنّ هناك 800 مليون دولار فقط يمكن تسخيرها لدعم استيراد السلع الأساسية، وهي تكفي لمدة 6 أسابيع فقط، علماً أنّ الـ 17 مليار دولار المتبقية هي الاحتياطي الإلزامي للمصارف”.

واعتبر أنّ “واردات السلع المدعومة لا توفّر دعماً فعّالاً للفقراء، وهي في المقابل تَستنزِف احتياطات مصرف لبنان”، موضحاً، “على سبيل المثال، أنّ دعم المحروقات يفيد أصحاب الدخل المرتفع ويشجّع التهريب الى ​سوريا​ حيث تفوق أسعار البنزين ضعف السعر في لبنان”. وبالتالي، رأى ايراديان، الذي عمل لدى “صندوق النقد الدولي” لمدة 17 عاماً، أنّ “رفع الدعم بشكل كامل او تدريجاً، مَصحوباً بتوفير شبكة أمان اجتماعي مصمّمة بشكل جيد (تؤمّن ​التحويلات​ النقدية مباشرة للفقراء)، يمكن أن يُسفر عنه تحسّن كبير في رفاهية أصحاب الدخل المنخفض”. وفي المقابل، “حذّر من أنّ رفع الدعم في الفترة المقبلة سيؤدّي إلى ارتفاع الأسعار ويؤثر سلباً على الدخل الحقيقي”.

إستدامة الدين العام: ذكرَ ايراديان، في تقريره، أنّ “برنامج صندوق النقد الدولي يمكن أن يضع ​الدين العام اللبناني​، والمتوقّع أن يبلغ ذروته عند 221% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، على مَسار هبوطي ثابِت من خلال تنفيذ التدابير المالية المُشار إليها في خطة الحكومة. وبما أنّ لبنان مُتعثّر عن تسديد ديونه الخارجية، فمن المرجّح أن تتم بالتوازي مع برنامج “صندوق النقد الدولي”، عملية إعادة هيكلة الدين العام. وفي حال تمّ تنفيذ سيناريوهات معينة لإعادة هيكلة الدين العام بالاضافة إلى الإصلاحات المالية وإمكانية ارتفاع سعر الصرف الموازي إلى نحو 5500 ليرة لبنانية مقابل الدولار في حلول نهاية العام 2021، فإنّ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن تتراجع من 221% في 2020 إلى 127% في 2021.

سيناريوهان للعام 2021:نظراً للتوقعات غير المؤكدة لِما بعد العام 2020، أعدّ ايراديان سيناريوهين مُحتملين:

يفترض السيناريو المتفائل أن يتمّ تأليف حكومة جديدة من خبراء مستقلّين في وقت قريب، والبدء في تنفيذ الإصلاحات، والتوَصّل إلى اتفاق مع “صندوق النقد الدولي”، وإطلاق العنان للمساعدات المالية الخارجية الملحّة. في هذه الحالة، سيبدأ الاقتصاد في الانتعاش، في حين أنّ الضغوط التضَخميّة الإضافية الناجمة عن رفع الدعم على السلع الأساسية ستتراجع حدّتها من خلال الارتفاع الكبير في سعر الصرف الموازي إلى 5500 ليرة مقابل الدولار.

أمّا السيناريو المتشائِم فيفترض استمرار الوضع الراهن بما في ذلك الشَلل السياسي المستمر في غياب أية إصلاحات حقيقية وتمويل خارجي. في ظل هذا السيناريو، سينكَمِش الاقتصاد اللبناني بشكل أكبر، وسينخفض سعر الصرف الموازي أكثر، وسيبقى معدل ​التضخم​ فوق الـ 100%، وستنضب الاحتياطيات الرسمية، ويتم استخدام معظم الاحتياطي الالزامي للمصارف لدى مصرف لبنان.

“هل تستطيع المصارف استعادة الثقة والتعافي؟”: رأى ايراديان أنّ الثقة في ​النظام المصرفي​ تأثّرت بشدّة، وقد تستغرق وقتاً للتعافي، معتبراً أنّ اتّباع استراتيجية مالية شاملة سيجعل ​القطاع المصرفي​ قابلاً للحياة ويضمن اندماج لبنان في النظام المالي الدّولي، مشدداً على ضرورة إعادة هيكلة النظام المصرفي، ما يشمل إعادة رَسملة النظام المصرفي وتوحيده.

في السيناريو المتفائل، يمكن البدء في رفع الضوابط على رأس المال تدريجاً في العام 2022، وفقاً لِما تسمح به تطورات ميزان المدفوعات وعند استقرار وضع القطاع المالي، ولفت ايراديان، إلى أنّ “البنك المركزي يمكن أن يلجأ إلى الاقتراض مقابل جزء من احتياطي الذّهب (تقدّر قيمته حالياً بـ 17 مليار دولار) من أجل توفير السيولة الكافية بالعملات الأجنبية للنظام المصرفي”.

المصدر: الاقتصاد(النشرة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى