تكنولوجيامنوعات

هل ستحل التكنولوجيا مكان الكتاب و الصحافيين؟

في عام 1987 صمم البروفيسور جاي ديفيد بولتر -أستاذ علوم الحاسوب في “جامعة نورث كارولينا” (North Carolina) الأميركية- أول برنامج من نوعه لتأليف وتحرير وقراءة القصص والروايات الرقمية اعتمادا على النص الفائق (الهايبرتكست) في عملية الكتابة.

البرنامج تم تصميمه بالتعاون مع الكاتب الأميركي مايكل جويس وتم إطلاق اسم “ستوري سبيس” (StorySpace) عليه، ليتم في نفس العام كتابة أول رواية رقمية في العالم باستخدام هذا البرنامج وهي الرواية الرقمية الشهيرة “الظهيرة، قصة” (Afternoon, a story) حيث قدم بولتر وجويس الرواية في الملتقى الدولي الأول للنص التشعبي الذي عقد بمدينة تشابل هيل الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول عام 1987.

وشكل هذا البرنامج وهذه الرواية بداية عهد جديد في تأليف الكتب والروايات باستخدام برامج تقنية معدة خصيصا لهذا الغرض، وهو ما نتج عنه ولادة الرواية الرقمية والأدب الرقمي الذي يقول عنه نقاد كثيرون إنه سيكون أدب المستقبل لا محالة.

ومنذ عام 1987 حدثت تغيرات كثيرة -بل قفزات- في عالم البرمجة والتكنولوجيا بظهور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وإنترنت الأشياء والحوسبة السحابية والتطبيقات الذكية، وتطورت كذلك برامج الكتابة الرقمية، ولكن أغلب هذه البرامج كانت برامج مساعدة للكتاب والمؤلفين، يستطيعون من خلالها استخدام تقنية النص الفائق، وإضافة مؤثرات بصرية وسمعية متعددة حسب ما يقتضيه تطور السرد ورؤية واختيارات الكاتب الفنية والإبداعية، ولكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون حول العالم الآن هو هل تستطيع التكنولوجيا الحديثة كتابة رواية بالكامل من غير تدخل بشري؟

كان المؤلف الأميركي الشهير مارك توين يرفض بشكل قطعي فكرة أنه يمكن تعليم إنسان ما كيف يكتب رواية “الإنسان الذي يولد وليس معه موهبة الكتابة لن يستطيع يوما أن يتعلم كيف يكتب قصة أو رواية، فالكتابة موهبة أولا وقبل كل شيء”.

لكن فات توين حقيقة أن الآلات ليست بشرا.

ما مدى صحة رأي توين في زمن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية؟

في محاول شهيرة قبل نحو سنتين أعلن إيلون ماسك -مؤسس شركة “تسلا” (Tesla) للسيارات الكهربائية- عن برنامج يعتمد على الذكاء الاصطناعي قادر على كتابة قصص وتقارير إخبارية وروايات خيالية، حيث تم تطوير برنامج أطلق عليه اسم “جي بي تي 2” (GPT2) في مختبرات “أوبن إيه آي” (OpenAI)  وهو مختبر غير ربحي مدعوم من ماسك.

وفي العام الماضي 2020 تم تطوير هذا البرنامج إلى الجيل التالي وهو “جي بي تي 3” (GPT3)؛ حيث أظهر البرنامج بنسخته الجديدة قدرة فائقة على إنتاج وكتابة النصوص.

ويعتمد “جي بي تي 3” على التعلم الآلي كما ذكرت منصة “ذا نيويوركر” (The New Yorker) في تقرير لها مؤخرا، حيث تتعلم أجهزة الحاسوب من تلقاء نفسها اعتمادا على المعلومات الهائلة التي تختزنها من غير حاجة إلى البرمجة أو إعادة البرمجة، فما تملكه من بيانات يجعلها قادرة على التعلم الذاتي، وهي أيضا قادرة على كتابة وتأليف نصوص معقدة، وكذلك لديها القدرة على التحدث والحوار مع البشر عبر روبوتات الدردشة التفاعلية.

ولكن ما النتيجة الفعلية؟

اختبر كثير من الكتاب والمؤلفين والصحفيين في العالم برنامج “جي بي تي 3” وقد كانت النتائج فانتازية في أغلب الأحيان، من هؤلاء الكاتب ليونيد بيرشدسكي في مؤسسة “بلومبيرغ” (Bloomberg) وزميلته الصحفية أنجاني تريفيدي اللذان أجريا اختبارا عمليا للبرنامج على أكثر من صعيد وفي أكثر من موضوع.

فمثلا، يحتفظ البرنامج بكم هائل من المعلومات والبيانات عن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، وعن علاقة السلطة المعقدة مع الولايات المتحدة الأميركية. وقد طلب بيرشدسكي وتريفيدي من البرنامج كتابة تقرير صحفي عن رئيس السلطة الفلسطينية وعلاقاته مع الإدارة الأميركية.

ابتدأ البرنامج التقرير بعنوان مثير وهو “عباس يعين هيلاري كلينتون وزيرة للخارجية الفلسطينية”.

وفي التفاصيل ذكر البرنامج أن هذا التعيين تم بموجب نظام رئاسي تم الحكم بعدم دستوريته منذ أكثر من عقد من الزمان. وأضاف التقرير أن عباس وصف والد هيلاري كلينتون الرئيس السابق جيمي كارتر بأنه أحد هؤلاء الأوغاد الذي وضعوا اليهود في السجن.

أعتقد أن هذا يعطينا فكرة عن قدرة الذكاء الاصطناعي حاليا -من خلال آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة- على كتابة نصوص وقصص وروايات. وما زال للمؤلفين والكتاب والصحفيين مكانهم في المستقبل القريب على الأقل.

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى